إلى روحها وبقية الأخريات .. شكرا على الوقت الرائع الذي قضيناه سوية .. وحسرة على ما مضى من عمر قبل أن نلتقي.
بعيون قلقة وقلب متعب فتحت الباب ملقية النظرة الأخيرة قبل أن تخرج، أطراف المحاجر يغطيها مشروع دموع تأبى أن تخرج هذه الليلة تحديدا كي لا تفسد ما تبقى من روعة هذا الفجر الهادئ.
احتضني حبيبي، فلم يتبق من لقائنا سوى دقائق ننفصل بعدها إلى الأبد ربما، واسمح لي أن استبقي على هذه الفانلة التي أرتديتها من بعدك، كي أتنشقها كلما أردت تذكرك .. تهم بتوضيب حاجياتها وتجميع ما تبعثر منها على الأرض، أرد عليها مبينا لا اكتراثي: افعلي ما شئت فأنا غير مهتم، كم سيء أنا لحظتي اللقاء والوداع .. أعتقد أنني أفعل ذلك عن عمد كي لا أنسخ من قبلي ولا أترك أثرا بعد رحيلي.
تغلق الباب وترحل، يسود الصمت بعد تردد صدى إغلاق الباب في ثنايا الغرفة، أجمع نفسي أنا الآخر وما تبعثر مني على الأرض، أتلصص عليها من خلف الستارة، حرصت على إطفاء الأنوار لأبين أنني شرعت بالنوم، أتفقدها لأجدها تركب سيارة الأجرة التي طلبتها قبل أن يعلن عن قدومها لاحقا رنين هاتف الغرفة.
كانت أجمل الموجودات بسهرة تلك الليلة، حاول كثيرون التودد إليها إلا أنها كانت تكتفي بالابتسام، تلاقت أعيننا أكثر من مرة على العشاء وقبله كما بعده، بعد العشاء حرصت على تدخين سيجارة كعادتي، كانت مناسبة لتفقد أركان منزل مضيفي بعيدا عن مضايقات المدعوين.
ظهرت من باب الشرفة، يسبقها عبق ياسمين ممزوج بفانيلا .. استفزني العطر .. اقتربت .. أطلت على ذات المنظر الذي أراقبه، غروب الشمس في يوم صاف، المرفأ ليس بعيدا وبوادر السفن واليخوت وهي ترسو بعيدا جدير بالتأمل، لمحتني بطرف عينها، رأتني من زاوية عينها القصية.
هادئ هذا المكان .. التفت إليها، كانت تماثلني طولا، أجبتها: نعم هو كذلك، وأضفت: أنا أفضل الصمت على صخب الحياة، فالهدوء يعيدنا إلى ما نحن عليه دون تكلف .. صمت .. تعود فتسألني: بما أنك تدخن هل لي بولاعة؟، مددت لها يدي لأولع سيجارتها .. فتلامس طرفي أصبعينا ليدشنا خطا خلفيا لتبادل الرسائل الحسية أكثر منها المعنوية، فعبرت الأصابع كلمات لم تقل حتى ذلك الوقت .. عكسته السفن المغادرة من مرافئ ناحية العالم الآخر .. كان اشتهاء كلانا في أقصاه.
غريب طرف الأصبع هذا، أعدت عليها ملامح لقائنا الأول وذات طرف الأصبع يدور حول حدود صدرها، يبحث له عن منفذ يغزوها منه، كانت مائلة ناحيتي، مؤخرة رأسها على صدري، كانت تدخن أيضا، كلانا يتأمل ذات المنظر وصوت موسيقى خفيفة يملأ الصمت، أظنها كانت لفيروز، فلم أكن أكترث جدا وقتها بمن عليه الدور في الآيبود.
طرف الأصبع حيث نقطة الإحساس الأولى، مكتشفنا للعالم، منطلقنا للآخر، هو الرمز، إنه الطرف القصي، تذكرت الدي الجي في ذلك الملهى الذي سهرنا به بعد العشاء، كان يحرك الألوف بطرف أصبعه، المشهد أقرب إلى الرقص الصوفي، الجميع يتحرك بنفس الحركات تقربا لذات المعبود، وفي حالتنا كنا نرقص بدورنا كل على طريقته.
قال لي صديقي بعد أن رحلت: إنها أجمل مدعوات هذه الليلة .. لم أكن منتبها لها، أرد عليه، يسألني مجددا: ماذا كنت تقول لها؟ .. أجبته: سألتني عن ولاعة .. أرادت إشعال سيجارة، رد علي: لكنها أخرجت سيجارتها أمامنا وتركت علبة السجائر على الطاولة بجانب الولاعة وتوجهت إلى الشرفة، فلماذا لم تأخذها معها؟ .. أجبته بلا مبالاة: علها أرادت التودد والتعرف .. صمت قليلا فضحك .. ثم صمت وقال: لا، يبدو أن هناك خطأ ما .. فوجدتني أسألني ذات السؤال بعد أن أصبحت وحيدا على الشرفة لكنني كنت دائما ما أجبني بذات الكلمات.
من على السرير، بدأت البوح، بائسة حياة تلك الجميلة، تكلمت بأحرف غازلت بعضها بؤسا، بدت سعيدة لكنها تعسة، المشهد مهيب لكنه مكرر، حسناء أخرى تشرع بفتح قلبها وخلع الحزن إضافة إلى أشياء أخرى.
تقترب ناحيتي بهدوء صياد ينتظر لحظته السانحة .. كانت تفاوضني عن بعد .. وجدت فيّ ظالتها .. كلانا ظمآن للآخر .. إنها العلاقة المحرمة ... حُرمت لأنها ستنتهي قبل أن تبدأ .. يتغير المكان لكن يبقى ذات السؤال دون إجابة .. متى وإلى متى؟ .. أبقيه كما يراد له أن يكون .. دون إجابة .. تعبر كلماتها طرف السرير ناحيتي: أريدك الآن أكثر من أي وقت مضى .. احتضني بقوة تنسيني الجغرافيا والتاريخ، فما يهمني فقط هو الآن وهنا معك ولا غير.
ضعه على طرفي البعيد .. داعبني قليلا .. رطب عالمي .. أدخلني عبر بابي السري .. عانقني من الداخل .. لا أريد سواك، أشعرني بالامتلاء .. كم أتعبني الخواء بعيدا عنك .. إن أصعب فراغ هو الذي لا تستطيع وحدك أن تملئه، داعبني قليلا بكلماتك وما يمكنك من طرف أصبع ولسان .. دعهما يلجان سوية ببطء جنائزي وصمت حزين يدفع للبهجة .. أريد منك طرف أصبع وبضعة كلمات تسري عني لياليّ المقبلات بعيدا عنك .. تحسسني .. قربني إليك .. أرجوك .. أريدك أن تحويني من الداخل والخارج .. سأدع لك أمري .. فافعل بي ما تريد .. أنا وأنت فقط متوجان على هذا المملكة .. "اللحظة/هنا" .. إنها مملكتنا وحدنا دون رعية وحجّاب.
أسافر نزولا ناحية عالمها السفلي .. هناك لا يوجد شر مطلق .. تمسد رأسي وداعا تعلم أنني سأعود بعده إلى هنا يوما ما، أقف على بابها .. ألقي كلماتي السرية .. تتفتح الأبواب على مهل .. ثم تُكتشف الخيانة .. يداهمني بعدها الحراس .. أُجر إلى الاستجواب .. أدلف صاغرا غرفة التحقيق .. كانت الغرفة ضيقة جدا .. تحيطني جوقة تأوهات ملحوقة بشهقات حنان .. أتمرد من سجني الداخلي، أضرب جدرانا لم ألمسها من قبل، أتلمس أخرى بأطرافي .. أشعر بالغربة .. هي بدأت الآن تحتضر .. إنها تودع عالمنا على مهل .. تتفقد نفسها .. ينسال منها نهر شبق .. أحاول الهرب .. يجرني الحراس عنوة إلى الداخل .. أحاول الهرب .. يجرني الحراس عنوة إلى الداخل .. أحاول الهرب .. يجرني الحراس عنوة إلى الداخل .. إنها أول غارة .. تشد على كتفي .. تلح عليّ أن أكثر .. تحرضني على التمرد وعدم الرضوخ .. تحرضني على الهرب لترسل حراسها فيعيدونني مجددا .. يتكرر المشهد .. أسير يحاول الهروب والحراس يلاحقونه فيلقون القبض عليه ويجرونه إلى الداخل مجددا، إنها تشارف الآن على الموت .. تنازع من أجل البقاء .. تموت .. تصمت ثم تحلق بعيدا .. حرة كانت .. كانت أكثر شعورا بالانعتاق .. إنها الآن أكثر قابلية للحياة .. بعد أن عبرتها قشعريرة الموت وأحيتها الرغبة بالحياة.
تسألني عن مزيد .. تتودد .. تتلوى .. أريدك أن تكمل ليلتي .. دعني أداعبك كما أداعب البيانو .. اسمح لي سيدي أن أكتب عليك مقطوعة جديدة .. سأسميها اللقاء أو ربما الوداع .. أيهما أكثر حزنا وتأثيرا.
تشرع برسم نغماتها على جسدي .. تتمرد على نفسها هي الأخرى .. إنه ذات اللحن صعودا وهبوطا .. السلم الموسيقي من أقصاه إلى مداه .. تقتحمنا مقاطع أوبرالية تارة .. ألحان حزينة في أخرى لا تلبث أن تنطلق ناحية السعادة .. مقاطع سريعة حتى لا نمل .. يستمر عزفها طويلا .. كانت تستلذ في عزفها .. تشبك يداها بيداي .. أترك لك المبادرة .. فاجئني .. دعنا نموت سوية ثم نحيا .. ننتحر لنعود إلى الحياة .. ننطلق بالمغامرة إلى مشارف نهايتها الحزينة .. تتلاحق الأنفاس .. يصعد اللحن إلى أقصاه .. آلة واحدة تغير مجرى العزف .. يهوي اللحن مقاربا نهايته .. يصمت آخر عازف .. فنكون أكثر سعادة وأقرب إلى الحزن.
في المشهد الأخير من على الشرفة .. تنسل بين الحضور: ما رأيك بمغامرة جديدة .. أجيبها: هيا .. ترد: ألن تسألني إلى أين؟ أرد: لو علمت لما كانت مغامرة .. خذيني إلى المجهول .. تصمت قليلا .. تفكر فيما تنعكس بقايا الغروب على بشرتها فتبدو أكثر نضارة .. عيناها غائرتين .. صدرها يحمل حبتي خوخ متماثلتين تشارفان على النضوج قبل الموسم من فرط الحرارة .. جسمها لا يخرج عن سياق موديل لأحد عظام الرسامين الذي لا يحضرني اسمه الآن، فستانها مكشوف الظهر، كانت ترتدي عطرا جارحا وكعبا عاليا أجادت السير به على قلوب الحاضرين جميعا.
سيارة الأجرة تبتعد وسط شارع صامت .. لا أعرف هذه المدينة .. لكن سيبقى لي منها رقم هاتف جوال .. أظنني سأنساه هنا قبل الرحيل .. أو سأعتقد أنني أخذته .. لكن سيتبين لاحقا أنني لم آخذه أو العكس .. أوضب حقيبتي استعدادا للرحيل .. كانت هنا قبل قليل .. عيناها قلقة وقلبها متعب .. فتحت الباب ملقية النظرة الأخيرة قبل أن تخرج، أطراف المحاجر يغطيها مشروع دموع تأبى أن تخرج هذه الليلة تحديدا كي لا تفسد ما تبقى من روعة هذا الفجر الهادئ.
في الطريق إلى المطار .. يسألني صديقي: كيف قضيت ليلتة البارحة؟ أجيبه كعادتي: وحيدا .. فلم أجد من تشغلها حتى الآن .. أُغمض عيني .. تعبرني رائحة ياسمين ممزوجة بفانيلا .. أتذكر بقايا طعم فتاة كانت معي بالأمس .. أتأمل شعرها القصير وأطراف كعبها العالي وما تبعثر خلفه على الأرض .. تخيلتها معي .. لكنني هذه المرة أعود فأصحو على مشارف المطار .. منطلقا إلى حلم آخر ومغامرة جديدة.


13 comments:
مجرد خيال طرا على بالي
فهد العسكر تزوج الي تزوجها تتابع بلوق فهد العسكر جك بوم يطلع ريلها وانت قبلها بيومين من تطيح عليك طايح له غزل بوحده شايفها وانت مع مرتك بسوق مطعم بسفره الي يكون
شنو نهاية الخيال ما راح اقوله اترك الخيال لك
** وااااااااااااااااااااااااو
قصه محزنه
ممزوجه بروعة أحرف عجيبه
أبدعت كالعاده
أتشتري دنيا زائلة بنعيم دائم
اتقي الله في ما تكتب
و لا تغوي الشباب للحرام
و كأني أقرأ بلوق لأبليس و ليس لآدمي
أعوذ بالله من شياطين الجن و الأنس
أرجو أن تقبل تعليقي على المقال
لعله خير لك و يقلل من الآثام التي ستكسبها كل ما قرأ أحد مقالك
و شكرا
يالبارع خدشت حيائي .. بس مشالله عليك كل مره تصدمني بابداعك اكثر :)
خارج الموضوع: ولهان على لوير :(
مثيـر .. كـ عطر ساحر يمر امام انوفنا بـ شقاوة دون أن نتمكن من الامساك به و النيل منه
نصك مثيـر .
:
سأكون صريحة هنا
تحويل قلة الادب بالمفهوم العام إلى أدب مهمة ليست بـ سهلة و لا بسيطة
بل تحتاج إلى حس فني عالي
و قدرة ابداعية مميزة ..
أنت تمتلك هذا التميز في شخصيتك
يظهر ذلك حتى في من اخترته ليحمل اسم مدونتك و لتظهر من خلف طيفه :)
مميز .. مستفز .. صريح .. جامح !
إستمـر
:)
تحياتي
:
والله خربتها يابو عسكر المره هذي
انت واحد مسكين
وشكلك لاكه قبل لا تكتب هالوصاخه
تفاصيل تلوع الجبد
وتسمونها ادب
للأسف احنا نعيش بزمن السفل يقدرون يتكلمون والناس يصفقون
على شنو على تفاصيل سرسرتك
ويقولون لك واو
واحسنت
سؤال
شلون بتواجه ربك يوم الحساب
بشنو بتقول له افنيت عمرك
هذا اذا كنت تعرف الله
مادري اقول الله يطقك بعصا الهداية
او الله ياخذك ويفكنا من فسادك انت واللي معلقين عندك
جليل الحيا
وتربية بارات
وراضع حليب خنازير
مو ادمي
اول مرة ادخل مدونتك
اسلوبك اكثر من رائع
لكن للاسف لم تستغله استغلال جيد
بدال ان تكتب هذا الكلام الفاحش البذيء
الذي لا يفيد احدا
ولا يهمنا ان نعرفه
اكتب شيء مفيد
رواية محترمة باسلوبك المميز
او مقالة ادبية ساحرة
اعد التفكير فيما تكتب...
الله يجبر بخاطرك مثل ما جبرت بخاطري بتعليقك اللي فات
:p
blog age limit o sit and watch as tears go by!
صايرلي رولنق ستونز العسكر
;p
.
.
.
بخصوص عطورات العبدالمحسن... حاولت اركب ياسمين عالفانيلا بس لتنين مش طايئين بعض خالص!... واحد في شبرة والتاني في الجيزة!
:;p
اشوف العنبر قايم حظه هالصيفية... ولو انه ما ينحط الا بالشتا الشاتي!
.
.
.
مطول بسالفة ال
rated posts?
ده ما بقاش بلوق, ده بقى اوتوبيس يا درويش!
:p
just kidding
usually, i get offended easily.. but ur post did not offend me at all!
الكبر شين
;p
لم أستطع اكماله ،، لا أعلم لم يتم اعتبار الاباحية في الطرح أدباً ؟ وأين العاطفه من كتابات بهذا المستوى ،، من الممكن ان تكون أديب محبوب اجتماعيا بطرح ممتع بدم خفيف ومرتاح بحياتك بدون ان تهدم صوره في مخيلة متابعيك ،، قميضه عليك
شخصية فهد العسكر اللي ساكنه مخيلتك على الرغم من كمية الابداع اللي تحتويه الا انها كانت تعيسه ووحيدة حسب ماتبين من كتب التاريخ والله أعلم هل انتهت حياته وهو وحيد وهل انتهت برضا من رب العالمين أم لا
أسأل الله أن يريك الحق حقا ويرزقك اتباعه ويريك الباطل باطلا ويرزقك اجتنابه
جبريت:
أشوة إنه مجرد خيال
ميمة السبيت:
تحياتي لدفء قلبك
why me:
لولا الحزن لما كانت القصة
Fouzan:
لوير تسلم عليك وتتشكر منك على السؤال
Super Sara:
تعليقك زادني ألقا افتقده منذ زمن .. لكنني نلت منه الآن
جنتلمان:
هية خاربة خاربة .. خلينا نعميها
le Koweit:
شكرا على الزيارة
chandal/danchal!!:
مو بالضرورة يا أمي أي شي يضبط على الناس يمشي معاج
أنا كتبت عن فانيلا مع ياسمين
البنت مشى معاها، إنتي شكو اللقافة طايرة العبدالمحسن بسوي مثلها
وبعدين الأتوبيس يشيل كل الناس والكبر لله
الله يسلمها ويسلمك قولها ماصارت زعل ترى ولهنا عليها =)
Post a Comment